كيهودي .. لقد شعرت بالصدمة!

خلال حرب غزة الماضية، مطلع العام هذا، استفتح العالم ميلاده الجديد بحمام دم لم تسبق بشاعته. بدا الأمر كما لو أنّ مقتل قريب من 1400، وجرح أكثر من 6000، وتشريد عشرات الآلاف، وقصف الجوامع والمدارس وشبكات الصرف الصحيّ والمصانع والمساكن، وتوقيت القصف مع خروج الطلبة من المدارس، واستخدام الفوسفور الأبيض في ضرب مجمعات الأونروا، والمدفعية الثقيلة في تدمير المستشفيات، لم تكن بكافية لإحداث ردة فعل عالمية موزاية لهذا الطغيان. وحتى ردود الفعل التي حدثت، كانت خطابية في الأبلغ، مظهريّةً حيناً، جماهيريةً، لا ترقى لمستوى الفاعلية الحقيقية، ولا المبدئية الفعليّة. وبعد ذلك ذر الإعلام العالميّ رماد المحرقة في العيون، وانتهت القضية، كدولة تدافع عن كيانها، أمام مجموعة من المحاربين المعتدين.

ريتشارد غولدستون، القاضي القادم من بلاد أب السلام العالمي: نيلسون مانديلا، والشاغل كمصادفة سابقة، منصب رئيس المعهد الوطني لمنع الجريمة وإعادة تأهيل المجرمين – أي أنه يمتلك الخبرة للتعامل مع وضع كهذا وحكومة كهذه-، والمترئس لجنة كشف وتقصي حقائق مجزرة غزة، هدّد بإحالة إسرائيل إلى المحكمة الجنائية ما لم تُجر تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي من قبل هذا الكيان، رافضا زعم إسرائيل بكونها كانت تدافع عن نفسها ضد حركة حماس. ولهذا بدا الأمر مفارقة كبرى في عوالم السياسة الدولية، الممعنة تيهاً في مواراة الطغيان الاحتلالي مذ ستين عام.  والمعتادة على التواطؤ الأمريكي، والصمت الدولي، وغض الطرف العربيّ، والإفلات الدائم من دور الجلاد، لدور الضحية.

يبدو تقرير غولدستون، نشازاً مخالفا لسياق الموسيقى الأممية، المتعاطية مع الحالة الإسرائيلية، حيث لم يسبق لتقرير آخر أن أدان إسرائيل وفضحها مثلما فعل – 600 صفحة-. وحيث يعتبره بيريز، رئيس الكيان الصهيونيّ: "يسخر من التاريخ، ولا يفرق بين المعتدي والمعتدى عليه". ويعده نتنياهو "مكافأة للإرهابيين". ويختم خطبة العيد الإسرائيلية المتفاجئة بصحوة الضمير هذه، الجنرال باراك، وزير الحرب الصهيونية، حيث يراه "ذروة النفاق، يقلب الحقائق ويخلط بين الإرهابيين وضحايا الإرهاب، ولا يعطي فقط جائزة للإرهاب الذي حدث، وإنما يشجع الإرهاب الذي سيحدث». وزارة الخارجية الإسرائيلية، البوابة الدبلوماسية للاحتلال، لم تأل جهداً في محاربة التقرير، ورأت أنه "يكتب فصلا مخزيا في تاريخ القانون الدولي وقضية حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وسوف يتم التعامل مع التقرير بما يتلاءم مع ذلك" والطريقة المقصودة الملائمة لذلك: "التجاهل".

وبينما تلقت دوائر الرسمية العربية هذا التقرير، بالصمت المطلق، لا من قبل السلطة الفلسطينية، ولا سفيرها في الأمم المتحدة، ولا من مراصد الحقوق العربية، ودوائر الخارجية - سوى نوايا حسنة، لها أجر النية لا الفعل-، وحين نطقت نطقت فُجرا. كان من المخزي أن ندركَ أنّ الموقف الفلسطينيّ المتعرّي فجأةً، كما لم يفعل من قبل، هو الموقف المؤيد للموقف الإسرائيليّ والأمريكيّ. وبدت مشاريع الإتجار بالشهداء والضحايا والمنكوبين بادية للعيانِ أكثر من العادة، وحين عارضت أكثر من 35 دولة "أجنبية غريبة بعيدة" مصوتة دون تأجيل القرار، طالب مدّعو حماة البيت الفلسطينيّ بتأجيله، وترك الأمر لذويه الأقربين. ليبدو الأمر باقعة كبرى، ومخجلة، ومصيبة بالغثيان، كما يقول شخص كالسيد عمرو موسى.

في هذه المرارات المتعاقبة، يكرر غولدستون، الرجل الصهيوني، وصديق إسرائيل الحميم: "كيهوديّ، لقد شعرت بالصدمة". وهو لم ير ما يحدث إلا هذه المرة، من مسرحية ممعنة في الطغيان، تمتد فصول عرضها، على مسرح الوجود أكثر من ستين عام. المفارقة الأخرى، كانت من السيدة نيكول غولدستون ابنة القاضي المحقق، حيث تقول إنّ والدها صهيوني ويحب إسرائيل، وأنه «خفف كثيرا من قسوة التقرير، ولو كان من غيره لخرج التقرير أشد قسوة بكثير».

البروفيسور شلومو أفنيري، منظِّر اليسار الإسرائيلي الأبرز، مدير عام الخارجية الإسرائيلية سابقاً، يشدد على كون تقرير جولدستون، شديد الخطورة على إسرائيل في العالم، "فإسرائيل تجلس في أرض محتلة خلافا للقرارات الدولية. ليست هناك دولة أخرى في العالم تقيم في أرض محتلة 40 عامًا، وإذا كان هناك من يظنُّ أن هذا محقٌّ، فإنه سيدفع الثمن وعليه ألا يصرخَ بأنه مظلوم".

وكالعادة، تجري مشاريع مسعورة لوأد هذا التقرير تماماً، للقضاء عليه، لتحريفه وتزويره، لرده إلى محاكم الاحتلال نفسها، والبحث عن مجرم آخر غير حكومة شعب الله المختار. وما دام عبّاس وعريقات ودحلان، على رأس حماة القطيع الفلسطينيّ .. إذاً من الذئب. ولذا يبدو مشروع قبرِ التقرير مشروعاً أوليّا لديهم، كون الحكومة الإسرائيلية، هدّدت بفضح التواطؤ الفلسطينيّ في ضرب غزة، وفي فضح هوامير غسيل الأموال، والشيكات، والهواتف النقالة، وفي كشف حسابات القادة الفلسطينيين المتاجرين بالشيكل كعملة رئيسية.

وليس هذا بجديد ولا غريب، الغريب: التجاهل الإعلامي العربي للتقرير، ولكارثة تأجيله، وكأنه يخص الغرب أكثر منا، ونقرة زر واحدة باسم غولدستون في أي محرك بحث إخباري، تريك المفارقة، بين الصمت الذي يجري هنا – أو الإصابة بالغثيان فقط-، ورؤوس الأخبار المهتمة بتجميد الاستيطان مثلاً، وبين المطالبات والمظاهرات والمقاطعات في عواصم العالم، لتوقيف المجرمين خلف مجازر كبرى، وللأخذ بثأر ضحايا صبرا وشاتيلا وقانا وتل الزعتر وبيت حانون، والمئات من شهداء ذهبوا ضحية صوم صامت عن الكلام، وليس الفعل حتى.

وأخيراًُ: ليست المفارقة في شعور المحقق غولدستون بالصدمة من فظاعة ما يجري، قدر ما هي بالصدمة للبرود في تعاملنا مع ما يجري. ولكم هو سيء وسافل، أن يبدو صهيونيّ يهوديّ كغولدستون، أشدّ حنوّاً ورأفة واهتماماً بغزّة من فلسطينيّ مسلم كعبّاس.

بقلم: عبد الرحمن الجوهري
 

صورة: 
 

 

نشرة الأندلس

العدد رقم :50