يُحييون رمضان على كورنيش الشيطان!!

مشاهدات عجيبة رصدتُها مِن على كورنيش بيروت ليلاً..

بعد أداء صلاة التراويح في مسجدِ المجيدية الذي يقع في وسط مدينة بيروت (البلد)، تخرُج مِن المسجد وقد تفطّر قلبك مِن هولِ آيات الله المحكمات، وتنزيله الحكيم في شهر رمضان الكريم، وقد امتلأ قلبك إيماناً، وسكنت نفسك واطمأنت ضارعةً إلى الله أن يعتق رقاب المسلمين مِن النيران، وقد خرَّت الجباه ساجدةً خاشعة للواحد الديّان..
قد يتجه البعض للرجوع إلى منازلهم باتجاه طريق (عين المريسة) أو ما يُعرَف بالكورنيش.. لا سيما مَن يقطنون في مناطِقَ كطريق الجديدة، كورنيش المزرعة، بربور،.. ولهؤلاء أقول: إيّاكم وسلك طريق كورنيش البحر المشؤوم، فقد ينالكم مِن شؤمِه ما يُدمِّر لحظات السكون والركون والهدوء التي نِلتُم في ركعات القيام، ويقضي على ما ملأ قلوبَكم مِن جُرعات الإيمان والوئام..
مشاهداتٌ مؤلمة لم أحبّ أن أذكرها في شهر الصيام والقيام، لكنّني عمدتُ إلى نقلها لي ولكم، كما شاهدتها، عسى أن تكون تذكرةً لحال بعض المسلمين "الضائعين المذبذبين"، وموعظةً لمن سلك طريقهم، وذكراً وشكراً لفضل الله على مَن عافاهم، وعصمهم مِن ذاك الحال المريض.. وعسى أن نرتِّب أولوياتنا على إثر هذا الحاضر الأليم، وما يتطلّبه منا مِن إعداد وتجهيز لتحقيق تغييره وإصلاحه..

يكتظُّ رصيف الكورنيش بالناس، رجالاً ونساءً، شباباً وشيباً، بناتاً وولادانا.. ويَصدحُ في أرجائه على طوله وعرضه أصواتُ أصحاب المزامير مِن جُملة المشاهير، فتنبعثُ "أغانيهم" مِن سيارات معظمهم -روّاد الكورنيش-، فهناك مَن أعلن عن سهرة غنائية في سيارته، أبى إلا أن يشاركَه الناسُ فيها، ويحييون معه الأوقات المِلاح مع صوتِ المُطرب الصدّاح، الذي يكوي لهم الجِراح!!
وهناك مَن جلستْ وصديقها أو خطيبها أو زوجها (لا يهم) في جلسةِ حبٍّ وهيام أنستهم مَن حولهم، بل حتى أنستهم مراقبة الله لهم على الدوام!!
وإحداهنّ (ويُقال عنها محجبة) قد تعالت ضحكاتُها مع بعض الشُّبّان المجتمعين، حتى حوّلتهم ضحكاتها إلى مجانين! وأخرى قد تسمّرت أمام كاميرا صديقتها، تلتقط لها أجمل ذكريات الليالي الرمضانية، فقد لا تَحِلُّ عليها مرةً أخرى، ويكون رمضان هذا، الأخير الذي تعهده (مَن يدري)؟!
وشابان على دراجةٍ نارية أمساكا بالنرجيلة حتى التقت روحيهما بها، فلم ينتظرا حتى يجدان متسعاً لهما على الكورنيش المكتظ "بالصائمين"، فأخذا ينفُخان الدخان والدراجة تسير!! لا عجب مِن هذا المشهد، وقد سرى النيكوتين بدمّيهما، وذلّت نفسيهما لتقديم أحطّ أنواع الطاعة للشهوات والملذات المحرّمة!!
أمّا مَن سار على طريق الكورنيش في سيارته كحالي وأخي، فلابد أن يناله نصيبٌ مِن أصحاب القيادة المجنونة، وأصحاب السهرات السيّارة، ليُطربوك بكلماتٍ شيطانية، وعبارات بغيضةٍ إلى الله عزّ وجلّ..
...والمشاهداتُ لا تنتهي مِن على رصيف الكورنيش الهاوي، قد أضاع روّاده أجر رمضان، ولذّة العبادة، وشغف الإنابة، جرّدوه مِن معناه ومغزاه، وألبسوه لباس الطقوس الاحتفالية، والمعاني الضلالية، فصار رمضانهم شهراً لجمع الآثام والذنوب، بدل أن يكون فرصةً تحيي القلوب، وتُنفِّث الكروب، وتُجلي الخطوب.. وموسماً رابحاً مع الله في التضرُّع بين يديه في صلاةٍ وصيامٍ وقيام، وفِعل خيرٍ، وإنفاق في سبيل الله، وصبر ومصابرة، وجهد ومجاهدة لنيل الغفران والعتق مِن النيران، وجَنيِ حبِّ الرحمن..

إن اريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه أُنيب.

كتبتها: ريما حلواني
بيروت في ليلة العاشر مِن رمضان مِن العام 1430هـ.
صورة: 
 

 

نشرة الأندلس

العدد رقم :50